طالعت بالأمس مقالاً نشر في صحيفة الشرق الأوسط بعنوان “البرلمان الليبي يؤكد تسمية رئيس الوزراء للحكومة الجديدة الأسبوع المقبل. فحمدت الله أن هناك عدداً من وسائل الأعلام لم يصل إليها بعد خبر منح نواب البرلمان درجة رئيس للوزراء بدلاً من وزير. فإذا كانت هذه الخطوة الأولى التي نخطوها في طريق ليبيا من الثورة إلى الدولة، فياحبذا لو نلتمس عذراً من السيد المقريف لنعود خطوات للخلف لنصل اللحظة التي أحسسنا فيها وكأن ليبيا كلها رجل واحد، بدلاً من وقت نعيشه نشعر وكأننا استبدلنا رجل برجال لا يحاكون إلا أنفسهم، ولا يوالون إلا ذواتهم. فهل رفعوا لنا مثل هذه الشعارات حينما أعلنوا عن أنفسهم مرشحين عن مناطقهم؟. كيف نستطيع أن نثق بعد الآن في هؤلاء النواب بعد أن أعطوا الأولوية لشخوصهم في تجاهل صريح لمن يمثلون؟. كيف لنا أن نؤمن على ثروة الدولة وقد أصبح أصحاب السلطة فيها هم أول من ينادي باستنزافها وبشكل لا يجرمه القانون؟. كيف لنا أن ننام في وطن لم يعد يكتفي حماته برتبة وزير، فطالبوا أن يكون له 200 رئيس وزراء ليتمكنوا من أداء مهامهم الجسام؟ وطبعاً ستكون درجة إتقان المهمة المنوطة بكل منهم بقدر انتفاخ جيبه وتعدد أرصدته وعدد سياراته ودرجة إفساح الطريق له. فيا ترى هل اختلف ما صرنا إليه عما كنا فيه.
يبدو أن السادة أعضاء المؤتمر الوطني لم يعد لهم صبر بدون تناول الكعكة الليبية، فهم لم يخبروا مذاقها بعد. كما يبدو أن بهم وجل لا نعلم منتهاه من أن تنقضي مدة خدمتهم دون أخذ كفايتهم من هذه الكعكة، إن كانت لهم كفاية. فهل هذا ما حملهم للترشح له ونحن عنهم غافلون؟. إذا كان هذا ديدن معظم أعضاء مؤتمرنا الوطني الموقر واللذين هم أصحاب تاريخ ليس بالهين في معارضة القذافي ونظامه، فكيف نلوم البعض الآخر ممن كان يوالي القذافي حتى عهد قريب ثم قرأنا أسمه كنائب في البرلمان؟. فنحن حينما انتخبنا أعضاء البرلمان اعتقدنا جازمين بأنهم يرون ليبيا بيتهم الذي يجمعنا جميعاً، وليس البيت الذي يجمعون منه لأنفسهم. أليس الأولى بالسادة النواب التفكير في وضع العائلات الليبية التي تعيش في ظلام دامس بدون كهرباء في شرق ليبيا وجنوبها؟.
أليس الأولى بهم البحث في كيفية حصر العائلات الليبية التي مات عائلها وأصبحت بلا معين وبلا دخل، بدلاً من التفكير من زيادة دخولهم؟. أليس من الأولى حل مشاكل العائلات الليبية النازحة والمشردة؟. أعتقد أن هناك الكثير من الأولويات التي كان من الأجدر إيجاد حلول أو سن قوانين لها والتي لا يمكن حصرها هنا، ولكن نوابنا الكرام صدروا لنا إحساساً أن ليبيا خالية من المشاكل إلا جيوبهم الفارغة وأن طرابلس صارت تقارع دبي أو كوالالمبور.
أقول للسيد المقريف هنا أنه لا مكان للمؤلفة قلوبهم في المؤتمر الوطني العام وإن كانوا ممن رشحوا. نعلم جميعنا الجدل الدائر بين أروقته فيما يتعلق بالمعايير المقترحة لاختيار رئيس للوزراء. واعتقد أن تبني هذا القرار جاء إرضاء لفيصل معين في المؤتمر الوطني، نال بدوره استحسان عدد آخر منهم مما جعله يحقق النسبة المطلوبة لتمريره، مقابل الاتفاق على المعايير التي وضعت لتسمية رئيس الوزراء، والتي اعترض عليها سابقا. وهنا فإنني أدعو من وقف ضد قرار منح نواب البرلمان درجة رئيس وزراء إلى التمسك بموقفه، وخاصة أنهم أكثر من النسبة المطلوبة لإعادة التصويت عليه وهم عشرة أعضاء، واتخاذ كل الوسائل القانونية لمنع تمريره. إن هذا من شأنه أن يخلق العديد من اللوبيات في داخل المؤتمر التي قد تستفيد من أي تصويت على قرار لا يحصل إجماع عليه لصالحها الخاص. كما أن السيد رئيس المؤتمر الوطني يجب أن يكون أكثر حزماً في إدارة جلساته، حيث نعتقد أن 33 لجنة منبثقة عن المؤتمر هي أكثر من احتياجاته.
والله المستعان
نضال الشركسي
“الصورة من المؤتمر العام ليبيا”
