ليبيا تحتاج إلى برنامج دولي لنزع سلاح المليشيات العسكرية لتحقيق الاستقرار
وسط مخاوف من سيطرتها على البلاد واشتعال الصراع
تواجه الحكومة الليبية المرتقبة، مشكلة المليشيات العسكرية التي أصبحت منتشرة الآن في الشارع الليبي، والتي تمثل خطرًا كبيرًا يؤثر على الأمن والاستقرار في البلاد، وسط الأجواء الديمقراطية التي يعيشها الشعب الليبي بعد إجراء الانتخابات البرلمانية، والاستعداد لتشكيل الحكومة الجديدة، فيما أكد المحللون أن “السبيل الوحيد للتخلص من تلك المليشيات في ليبيا، هو التعامل بحزم مع قلب المشكلة ألا وهو السلاح، الذي استولوا عليه من مستودعات نظام القذافي، وأنها بحاجة إلى برنامج لمقايضة الأسلحة لكسر شوكة تلك المليشيات ودعم سيادة القانون في البلاد”.ونشرت صحيفة “الغارديان البريطانية”، تحقيقا تناولت فيه “أوضاع المليشيات العسكرية”، وأكدت أن “ليبيا في حاجة الآن إلى برنامج لمقايضة الأسلحة، وأن ذلك يمكن أن يساعد الشعب الليبي في كسر شوكة المليشيات العسكرية في ليبيا ودعم سيادة القانون في البلاد”.
وأشارت الصحيفة البريطانية، إلى أن “ليبيا تعاني في الوقت الحاضر من انتشار للمليشيات المسلحة التي كانت قد تشكلت أثناء الصراع مع قوات القذافي، والتي أسهمت بدور كبير في التصدي لقوات النظام آنذاك”، مؤكدة أن “الحكومة الليبية التي سيقوم البرلمان الليبي المنتخب بتشكيلها، ستكون مطالبة بإيجاد حل لمشكلة المليشيات العسكرية، إذا ما أرادت ليبيا أن تتحول إلى دولة يحكمها القانون، وليس إلى دولة يحكمها زعماء الفصائل والمليشيات العسكرية المنتشرة الآن في الشارع الليبي”.
وذكرت “الغارديان” أنه ولم يُعرف بعد العدد الحقيقي لتلك المليشيات في ليبيا، ولكن بعض التقديرات تقول إنهم “بضعة مئات” وأنها تتكون من آلاف الشباب، وقد انضم إليها البعض بعد انتهاء الحرب، أما عن دوافع هذه المليشيات، فهي تتسم بالتعقيد والتنوع، فيما تختلف المليشيات المؤيدة لنظام القذافي تمامًا عن مليشيات الثورة الليبية، وأنه ما من شك في أن غالبية هذه المليشيات تتطلع إلى توفير مستقبل آمن والحفاظ على مكتسبات الثورة، وهناك البعض الآخر الذي يتطلع أكثر في الحصول على المكاسب التي تأتي عن طريق التحكم في طرق التجارة على الحدود الليبية وبعض المجالات الاقتصادية، لاسيما وأن تلك المليشيات في شرق وغرب ليبيا استطاعت بعد انتهاء الانتفاضة أن تستولي على الكثير من الممتلكات التجارية والخاصة، الأمر الذي أدى إلى وقوع مصادمات بين تلك المليشيات، أضف إلى ذلك أن وجود هذه المليشيات كان يعكس رغبة ملحة للحفاظ على الأمن في مناطق فشل المجلس الانتقالي الليبي في حمايتها.
وأشارت الصحيفة البريطانية إلى أنه “في الوقت نفسه، فقد ارتكبت تلك المليشيات انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان، مثل تعذيب المشتبه في تعاونهم مع نظام القذافي، وهي وقائع قامت منظمة العفو الدولية بتوثيقها، وأن المجلس الانتقالي حاول من قبل علاج هذه المشكلة عن طريق فرض أحكام القانون على تلك المليشيات، وفي سبيل ذلك أنشأ المجلس في أيلول/ سبتمبر العام 2011 لجنة الأمن العليا، وهي عبارة عن خليط من الميلشيات العسكرية التي يقدر أعداد جنودها بحوالي 100 ألف، كما حاول المجلس الانتقالي السيطرة على جماعة الدرع الوطني الليبي التي تضم مليشيات من الزنتان ومصراتة، لحماية أهداف الثورة”.
وأوضحت الصحيفة “من أجل حفظ النظام في أنحاء ليبيا كافة، قام المجلس الانتقالي بدفع رواتب لأفراد تلك الجماعات تفوق في معدلها متوسط الأجور والرواتب المعمول بها في ليبيا في محاولة لاستمالتهم في مواصلة القتال إلى جانب كيان الدولة، ومع ذلك فإن المشكلة هنا تكمن في أن كلًا من لجنة الأمن العليا وجماعة الدرع الوطني لم تخضعا يومًا ما لسلطة المجلس الانتقالي وعمل كل من تلك الجماعتين بصورة مستقلة، وهما الآن يمثلان مشكلة للبرلمان الليبي، كما أن حجم تلك المليشيات يهدد بفرض الهيمنة على قوات الشرطة والجيش الضعيفة جدًا، والتي تعاني من نقص في المعدات ونقص في الأفراد، وقد مارست تلك المليشيات العنف لتحقيق أهدافها، كما قاموا بممارسة سلطة إلقاء القبض العشوائي على المشتبه فيهم، واحتفظوا لديهم في سجون سرية”.
وأضافت الصحيفة أن “السبيل الوحيد للتخلص من تلك المليشيات في ليبيا، هو التعامل بحزم مع قلب المشكلة الذي سمح لتلك المليشيات بفرض قوتها وسطوتها على البلاد، ألا وهو الأسلحة، لأن ثلاثة أرباع الأسلحة في ليبيا تقع تحت سيطرة المليشيات العسكرية، وهي الأسلحة التي استطاعوا أن يستولوا عليها من مستودعات نظام القذافي، ومن بينها أسلحة ثقيلة مثل الصواريخ المضادة للطائرات والصورايخ المضادة للدبابات، وقد فكر المجلس الانتقالي في توظيف أعضاء المليشيات في الشرطة والجيش، ولكن هذا الاقتراح لم يتحقق، ومن المنتظر أن تقوم الحكومة الجديدة بدراسة إمكان تطبيق هذا الاقتراح، وهناك اقتراح آخر بمحاولة تطيبق التجربة الموزمبيقية بعد أعقاب انتهاء الحرب الأهلية في موزمبيق العام 1992، والتي قامت من خلالها بتطبيق برنامج بعنوان أدوات مقابل الأسلحة على أساس أن الأسلحة هي الخطر الذي يهدد السلام في البلاد، وقد قامت السلطات آنذاك بتدمير تلك الأسلحة بعد تجميعها من أفراد المليشيات الذين حصلوا على بضائع وسلع مقابل نزع سلاحهم، وقد نجح البرنامج في تجميع نصف مليون قطعة سلاح خلال فترة خمس سنوات”.
والواقع يقول إن “ليبيا تنتشر فيها الآن الملايين من قطع الأسلحة، ولهذا فهي في حاجة إلى مثل هذا البرنامج، على الرغم من نتائجه المتواضعة، ولا ينبغي أن يكون الاعتماد على ذلك البرنامج وحده، فالمطلوب أيضًا من قادة وزعماء ليبيا الجدد، كسر شوكة هذه المليشيات بإنشاء قوات شرطة وجيش قوية ومتماسكة، لا هم لها سوى تطبيق القانون وفرض سيادته. ليبيا السلام ، العرب اليوم