يبدو لي أن الجميع منتشون بالوضع الهيلامي الحالي للدولة الليبية. ففي هذه المرحلة التي يحتضر فيها القضاء الليبي، يمكن أن يصل أي شخص ليضيف لأسمه صفة “النائب” أو “وزير”. فهؤلاء قد يدفعون حتى تظللهم قبة البرلمان، ولنسمع مناداته “بالمحترم” قبل وبعد كل مداخلة رنانة له. هي نفس الحالة التي تسمح باغتيال ضباط الجيش واحداً تلو الآخر، وسط أماكن مأهولة دون أن تهتز لنا شعرة أو نحرك ساكناً. وهو ذات الوضع الذي يخول من لا زالوا يمتشقون سلاحهم باعتقال هذا، وتعذيب ذلك، وتهديد آخر، وقتل رابع دون بينة. تكفي فقط حجة عدم “الثورية” أو العمل مع النظام السابق للقيام بكل ذلك وأكثر. وبالطبع فإن كل من يغرد خارج السرب هو من الأزلام.
فرح كل الليبيين بانتخاب أعضاء المؤتمر الوطني التي تجسدت في الإقبال الغير مسبوق عليها. لعل من أبسط أسباب ذلك هو رغبة المواطنين في المساهمة بوضع أول الملامح العصرية لليبيا الحديثة، لينفضوا عن أنفسهم غبار تراكم لأربعة عقود سيطر عليهم خلالها قانون الغاب. ولكن بتساهل الليبيون في أمور كثيرة، مع استفهامات بدأت تبرز حول العديد من الأسماء المسؤولة، سيضع الدولة في وضع لا تحمد عقباه. وإلا لما لم يسأل الكيب عن القوى العليا التي تسيطر عليه عندما صرح بذلك أمام البرلمان وهو رئيس الحكومة؟. هل كانت مساءلة الكيب حينها وهماً تجرعناه ونحن نصفق له؟. هؤلاء البرلمانيون “الوطنيون”، كيف يمررون مسألة خطيرة كهذه دون أن يقفوا عندها ويشبعونها تمحيصاً، إلا إذا كانوا يعرفون ماهية هذه السلطة العليا، ولكنهم لم يتوقعوا من الكيب هذه الإجابة لأنها تدينه أكثر مما تبرؤه، ولذلك كافئوه بأن أخرجوه دون محاسبة.
وربما توجد أسباب أخرى أكثر خطورة والتي – حسب اعتقادي – تتمثل احتمالية تعرية بعض البرلمانيون لتتجلى “الوطنية” – من وجهة نظرهم – بكل معانيها أمام مرشحيهم. ولعله أول الغيث عندما برزت وثيقة، بشكل غير مقصود، تثبت قبول السيد جعودة سيارة تويوتا من دولة قطر الشقيقة. وما يزيد الطيب بله هو تبرير النائب جعودة، الأقبح من ذنبه. فهل كانت هذه السيارة مثلاً جزءاً من ثمن دفاعه عن قطر عندما هاجمها شلقم في كتابه الأخير. ذكر لي أحدهم أن قطر لم تكلف نفسها عناء الرد، وبالمقابل رأينا ليبيين “قطريين” أكثر من قطر نفسها. ولكن هذا طبيعي – إلى حد ما – طالما أن قطر قد صنعت لها أفواهاً تتكلم عنها، ووجوهاً قد تستقبل الشتائم بدلاً منها، وشخوصاً وضعت لنفسها ثمناً وارتضت لها هذا الموقف. وهكذا، فالسيد صالح جعودة، المعارض المخضرم للقذافي، والمقارع الشرس للمستشار عبدالجليل يقع على وجهه، في اختبار حقيقي له، في كل شئ. وهو من قال أنه قبلها عن طريق السيد شمام قبيل رجوعه لبنغازي ليتنقل بها. فلا يليق بجعودة أن يمشي على قدمية على الأرض التي غاب أكثر من ثلاثين عاماً حفاظاً على رونقه. فيا تري هل سيجد جعودة الآن مبرراً يقنع به نفسه لملاحقة القذافي له وأمثاله كل تلك السنوات لأنه كان يحافظ على رونقه هو الآخر (من وجهة نظره طبعاً). هل قدر ليبيا أن تتخلص من كونها “إقطاعية” للقذافي وأبنائه، لتصبح “غنيمة” عند من يرونها ثمرة نضالهم المرير خارجها؟. فمعظم برلمانيونا اليوم يرون تمثيلهم للشعب مجرد فرصة للاستئثار بأكبر قدر من الغنائم، لأنهم لن يكونوا في نفس المكان بعد منتصف العام المقبل. لذلك رأينا من يطلب مرتب رئيس وزراء، وتحصلوا على سيارة فخمة لكل منهم وإقامة ريكسوسية فارهة، وعدد آخر أراد مسح بعض ذلك فتحصل على حجة فوق البيعة.
بالأمس كان السيد جعودة الصوت الصادح مذكراً المستشار عبدالجليل باليوم الآخر عند كل منعطف يمر به المجلس الانتقالي. أفلا يتذكر ذلك عند كل لحظه يركب فيها سيارته. وهذا شمام صوت المعارضة القديم، يتحول لوسيط للهدايا القطرية إضافة إلى جهود العديد من الأسماء التي وضعت نفسها في إطار الشبهه كبلحاج والصلابي وابوكتف وغيرهم. فالآن يمكن أن نفهم لماذا يصمت المؤتمر الوطني عن بعض أعضائه المعروف عنهم مناهضتهم لمهد هذه الانتفاضة. والآن فقط نستطيع استيعاب ضياع خيوط قضية اغتيال اللواء عبدالفتاح يونس. والآن أيضا يمكننا أن نعي لما يتم التلاعب بملف إعادة بناء الجيش الوطني.
إن فك شفرة مثل هذه القضايا، وغيرها من الملفات التي يراد لها أن تكون عالقة، سيساهم بشكل كبير في وضع الملامح الواضحة لدولة القانون مما يسلبها هذه الفوضى التي تكتسيها الآن. بعدها لن يستطيع أحد أن يقبل سيارة، مثلاً، من دولة أجنبية لأنه لا يملك سيارة دون أن يسأل نفسه هل ستوزع تلك الدولة 6 مليون سيارة في ليبيا أم لا.
والله المستعان
بقلم / نضال الشركسي
صحيفة ليبيا السلام

