لازلنا بعد نتذكر خروج القيادي الأخواني البارز عصام العريان عبر أحدى الفضائيات ليصرح بحق عودة يهود مصر، في خطوة تلاها الكثير من ردود الأفعال المتباينة. حينها بدا د. العريان مهتماً بمصير اليهود المصريين وإلى أين سيذهبون؟، باحثاً لهم من مكان يجمعهم فلم يجد لهم سوى أرض المحروسة. بالطبع جاءت الردود من خارج الجماعة وداخلها على ما أدلى به حضرته، فقال رئيس الشورى أن تصريح العريان لا يمثل الحزب. وبالمثل، فقد نطقت بعض قيادات بجماعة الأخوان بأن هذا التصريح لا يعبر إلا على رؤية قائله. وهذا كله جاء نتيجة ردة الفعل الشعبية الغاضبة عليه التي وصلت إلى تقديم بلاغات للنائب العام ضد السيد العريان بسبب تصريحه ذاك. ولكن هذا طرح حينها جملة من التساؤلات: إذ كيف لنائب رئيس حزب العدالة المصري أن يصرح على رؤوس الأشهاد بما لا يعتقد أنه يعبر عن توجه الحزب في مسألة خطيرة وحساسة كهذه؟!، وكيف للقيادي الأخواني المخضرم أن يتفوه بما قال، دون أن يكون له دراية مسبقة بتوجهات وقناعات جماعته؟!. أعتقد – من وجهة نظري – أن الاختلاف بين العريان وجماعة الأخوان لم يكن على نص التصريح وفحواه بقدر ما هو على التوقيت وأسلوبه، وهو ما جعل قيادات أخوانيه ينكرون على العريان مقالته، هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فالسيد العريان أدرك ذلك سريعاً فداوى بالتي كانت هي الداء عندما استطرد دعوته بأنها ستؤدي لزوال دولة إسرائيل عندما يعود شعبها لدولهم الأصلية.
أراد قادة الأخوان أن يوحوا لنا أن العريان نال جزاءه المناسب جراء تصريحه أللامسئول، بعزله من الطاقم الاستشاري لزميله رئيس الدولة مع احتفاظه بمناصبه الأخرى. لكن السيد العريان عودنا أن تصريحاته عادة ليست جوفاء، بل لها قدر وافر من الحقيقة حتى لو جوبهت بالنفي وقت إطلاقها. فقبل أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير بأعوام قليلة، وفي لقاء صحفي مع جريدة عربية في لندن، قال أن جماعة الأخوان ستحافظ على اتفاقية السلام مع إسرائيل إذا وصلت للحكم، في استمالة واضحة للغرب. طبعاً حينها لاقى هذا التصريح سيلاً من النفي والتكذيب، ولكنه أصبح حقيقة بينة بإعتلاء مرسي عرش مصر. ولذا فإن تمثيلية انفعال الأخوان تجاه تصريح عريانهم الأخير سنرى تجلياتها بوضوح في قابل الأيام. وأن وهم العشرة آلاف شاب أخواني الذين سيحررون فلسطين (وليتهم يصدقون) سنلحظ تلاشيها بعد أن تتحقق لهم الغاية الأساسية من إطلاقها في استعادة صورتهم المهتريئة في الداخل، وسيطرتهم الكاملة على الواقع المصري.
لم أكن أتصور أن يكون لليبيا عريانها أيضاً، فإذا بالنائب عبدالرحمن السويحلي يتغنى بنفس النغمة وينشد ذات اللحن. قد نتفهم أسباب عصام العريان ونستشف دوافعه لهذا القول، ولكن ماذا ومن سيكون وراء السيد السويحلي ليدفعه لهكذا تصريح مريب؟!. ثم ماذا موقف حزبه منه أم سيتبنى أعضاؤه فكر رئيسهم (بعد أن يغيروا اسم حزبهم بالطبع)؟. والأهم من هذا هل سنسمع رداً شافياً من المؤتمر الوطني باعتباره عضوه ورئيس لجنة الدفاع فيه، أم سنلحظ سياسة النعام طالما لم تقتحم أروقته بسببه؟!.
قبل انتخاب المؤتمر الوطني العام، كان السيد السويحلي يصمغ آذاننا باعتراضاته على الإعلان الدستوري بتساؤلاته المتكررة – والتي لم تكن تنتهي – عن ظروف صياغته، وشخصيات كتابته، وكواليس فرضه علينا “كما يقول”. فلم يكن يترك مناسبة إلا وأبدى اعتراضه على ذلك الإعلان الدستوري – الذي اتكأ عليه بعد ذلك ليصل حيث هو الآن – أياً كانت هذه المناسبة من حيث العلاقة. كل من كان يستمع لكلماته حينها لا بد أن تصله رسالتها الضمنية عن مدى تحسره لعدم استشارته قبل وضعه، وكيف أنه خرج خالي الوفاض وهو الذي أتصل من طرابلس بقناة الجزيرة بدايات هذه الثورة ليلعن ألقذافي، فإذا بالمكافئة – التي جاءته لاحقاً – تغيب عنه. فكثيراً ما كانت الصدفة تضعني أمام هذا الرجل فأسمع بعضاً مما يقول، ولكن تساؤلي حينها كان، كيف لهذا الشخص أن يتساءل عن استحقاقات واستشارات، وألقذافي لم يكن قد مات بعد، والمعركة لا تزال رحاها تدور في أكثر من موقع، وكأن به انفصام عن الواقع. ولكن بعد أن سمعت كلمته الأخيرة التي نطق بها نيابة عن الليبيين وأنهم لا يمانعون في عودة اليهود، أدركت أن الرجل يعيش في عالم خلقه لنفسه، وأن للسن حكمها أيضاً.
عجبت من جرأة السويحلي بعدم تردده في الخوض في موضوع عودة اليهود، وهو الذي لم نسمع صوتاً – أو يكاد – في موضوع عودة أطفال وشيوخ تاورغاء مثلاً. طبعاً سيفكر السويحلي مليون مرة قبل أن يلج موضوع تاورغاء، لأنه يعلم أبواب جهنم التي ستفتح في وجهه وهي التي يحتاجها مغلقة لتساعده في رسم طريق واضحة في أي انتخابات مقبلة، وخاصة أن مدة المؤتمر الحالي يفترض أنها شارفت على نهايتها. كما أن حديثه عن ملف تاورغاء لن يفيده دعائياً خاصة أنه سيتكلم على منطقة محسوبة على نظام ألقذافي بل سيخسر بها أكثر مما يكسب.
أما النظرة الإنسانية والحالة المزرية بالأكواخ والصقيع الذي يلفح الصغار قبل الشيوخ، فهي لا تسمن ولاتغني من جوع. لم يزعج السويحلي نفسه بالخوض في ملف الجنوب وانتهاكات الحدود وما استجد بعد إعلانه منطقة عسكرية، وهو ما يقع في صميم مهامه كرئيس للجنة الدفاع بالمؤتمر، لأنه ملف محروق بالنسبة له، لذا نراه يقتحم ببسالة ملف اليهود الذي قد ينتقل به حضرته من المحلي إلى الدولي، حيث يكون لبريطانيا مثلاً – محل إقامته السابق – اليد الطولى في دعم السيد السويحلي بعدما صرح بتوجهاته وأفكاره كما حدث مع أخوان مصر.
والله المستعان
تصوير/ اوريدة أبوحليقة
بقلم/ نضال الشركسي
صحيفة ليبيا السلام
