أرقام مهولة ، وحقائق تدمي القلوب عن عدد وحجم معاناة النازحين من مدنهم وقراهم الى مدن وقرى ليبية أخرى لا يتطرق إليها الإعلام و لا تسلط عليها الأضواء .
ما نعرفه جميعا أن بنغازي هي المدينة الأكثر احتضانا وتأثرا بالنازحين ، وأن العدد الأكبر منهم يتواجد ببنغازي ، لكننا لم نطلع على أية إحصائيات بالخصوص ولم تكشف الحكومة ولا السلطات المحلية عن أرقام محددة تقدم مؤشرات جلية.
مالا يعرفه غالبية الشارع الليبي – جمهورا ونخبا- أن هناك مدنا وقرى أخرى غير بنغازي يتواجد بها الآلاف من النازحين يعانون ظروفا غاية في الصعوبة ويخلقون المزيد من المصاعب والمتاعب لأماكن نزوحهم.
مدينة ترهونة واحدة من هذه المدن ، وفي لقاء أجرته صحيفة فبراير ( الرسمية ) مؤخرا مع نائب رئيس المجلس المحلي ترهونة صرح الأخير بأن هناك عدد ( 15000) خمسة عشر ألف نازح يقيمون حاليا بترهونة قدموا إليها من تاورغاء ومصراتة والمشاشية والقواليش وبني وليد ، و هذا الرقم كان قبل اسابيع يتجاوز ال ( 50 ) الخمسين ألفا أثناء احداث بني وليد الأخيرة ثم تراجع بعد عودة أغلب نازحيها إلى مدينتهم .
خمسة عشر ألف نازح يتواجدون بمدينة بحجم وإمكانات مدينة ترهونة ،هو بلا شك رقم كبير ، يفاقم من مأساة النازحين ويعمق من مشاكل المكان ، فالمدينة صغيرة نسبيا وبسيطة ديموغرافيا وتعاني من محدودية مرافقها وقدرتها الاستيعابية ، فهي تشكو أصلا شح في إمدادات مياه الشرب و تدني مستوى الخدمات الصحية والمرافق العامة عموما ، بالإضافة إلى تفشي البطالة بنوعيها ( الصريحة والمقنعة ) بين فئة الشباب ، ناهيك عن أزمة السكن المزمنة والمتعمقة باضطراد .
إن مسألة توفير عدد 3000 مسكن للنازحين بمدينة لا يزيد مجمل تعداد عقاراتها السكنية عن 10000 عقار وهي تشكو أزمة سكن أصلا يعتبر أمرا غير ممكن التحقيق ، وهو ما يعني إقامة هؤلاء النازحين بمباني غير مصنفة سكنيا وغير لائقة للسكن أو في العراء ، كما أن توفير عدد ( 5000 ) فرصة عمل لهؤلاء النازحين بمدينة يقطنها ما لا يزيد عن 50000 نسمة وتفتقر لسوق عمل يستوعب مخرجاتها من اليد العاملة يعني أملا بعيد المنال أيضا.
وقياسا على ذلك وإذا ما تحدثنا عن سلسلة من الاحتياجات الملحة للنازحين وعن سلسلة أخرى من الآثار المترتبة على وجودهم واستمرار بقائهم بالمدينة فإن الصورة تبدوا أكثر قتامه ومستقبل هذه المسألة ينذر بمنعطفات أكثر خطورة ، خاصة وأن ثمة بوادر تؤشر إلى ذلك وتظهر من خلال تعالي بعض الأصوات باتخاذ النازحين لخطوة أحادية الجانب باتجاه العودة بعد يأسهم من قدرة الدولة على إيجاد الحل ، ومن خلال أصوات أخري تشكو خطر ما تسميه بالتغيرات الديموغرافية على المدن والمناطق الحاضنة للنازحين .
إن الآلاف من النازحين المشردين من غدامس وغات والمشاشية والقواليش وبني وليد ومصراتة وتاورغاء إلى أماكن أخرى غير مؤهلة لاستقبالهم وأصبحت تضيق بهم أكثر وأكثر وفي ظروف تتفاقم يوما بعد يوم ، يحتمون علينا جميعا ضرورة التوقف عند مأساتهم والوقوف على أسبابها وعللها والعمل على حلحلتها جزئيا أو كليا و دونما إبطاء . وعلى الحكومة تحديدا مواجهة هذه المشكلة بشجاعة وعدم القفز عليها أو تأجيل النظر فيها لأنها توشك أن تتحول إلى قضية محرجة للدولة الليبية أمام العالم ومضرة بسمعة ليبيا في مجال حقوق الإنسان.
أما الإعلام الليبي الذي يدعي الحرية ويتغنى باستقلال قراره فهو مطالب بتناول هذه المأساة بالشكل المناسب بإظهار حجم الأرقام الحقيقية للنازحين وبالكشف عن تفاصيل معاناتهم ودرجة الامتهان الذي يعانونه ، وكذلك الحال بالنسبة لمؤسسات ومنظمات المجتمع المدني التي يجب أن تتخلى عن أسلوبها البائس في تعاملها مع هذه القضية الاجتماعية الإنسانية الحساسة وترتقي به من خانة جمع التبرعات و المواد الغذائية موشكة انتهاء الصلاحية وجمع البطاطين والملاحف للنازحين إلى آفاق أكثر تحضرا ومسؤولية بالضغط السياسي الحقيقي الشجاع باتجاه إيجاد حلول ناجعة وجذرية لهؤلاء الآلاف من الليبيين البؤساء.
بقلم / نوري المز وغي
صحيفة ليبيا السلام
