ان المرأة هي نصف المجتمع ،، وهي التي ولدت نصفه الآخر !!
لا ادرى ما هو وجه الاعتراض على وثيقة ” تجريم العنف ضد النساء والفتيات ” التي ناقشتها الامم المتحدة في جلستها المنعقدة في 15 مارس الحالي .. لقد قرأت هذه الوثيقة في نسختها العربية ولم اجد فيها ما يدعو للاعتراض عليها ، بل ان الاعتراض عليها والتحشيد ضدها قد يضع الدولة الليبية في حرج دولي شديد ليس له مبرر وماكان له ان يحدث وسنوصف ربما بالتخلف والتنصل من الوثيقة ! واذا كانت في هذه الوثيقة اشياء قد لا يقبل بها البعض كان من الممكن المطالبة بتعديلها سواء بالإضافة عليها او الانقاص منها وفقا لآلية الامم المتحدة بالمنطق والحجة ومن خلال المشاركة الدولية الفاعلة لا أن تُرفض محليا جُملةً وتفصيلا .. ان رفض هذه الوثيقة محليا لا يعني شيئا وليبيا ليست وحدها في هذا العالم وانما هي عضو في المجتمع الدولي وستقر الوثيقة شئنا ام ابينا واقرارها سيكون ملزما لنا وفقا للمواثيق والبروتوكولات والاتفاقيات والعهود والروابط الدولية المنضوية تحت هيئة الامم المتحدة !.
هذه الوثيقة جاءت نتاج ما تتعرض له النساء والفتيات من عنف اصبح يشكل ظاهرة عالمية ، وعلى ضوء ذلك وجود العديد من الصكوك الاقليمية تؤكد على اهمية دور الوقاية من بينها ( بروتوكول الميثاق الافريقي لحقوق الانسان والشعوب بشأن حقوق المرأة في افريقيا 2003 ، والميثاق الافريقي لحقوق الطفل ورفاهه 1999 ، واعلان رابطة امم جنوب شرق آسيا بشأن القضاء على العنف ضد المرأة ، واتفاقيات البلدان الامريكية بشأن منع ومعاقبة والقضاء على العنف ضد المرأة 1994، واتفاقية مجلس اوروبا المتعلقة بمنع ومكافحة العنف ضد المرأة والعنف العائلي 2011 ، واتفاقية مجلس اوروبا المتعلقة بحماية الاطفال من الاستغلال الجنسي والاعتداء الجنسي 2010 ..)
.. “عن الحالة الراهنة ، فقد افادت هيئة الامم المتحدة للمرأة بان البيانات القطرية تبين ان سبع نساء من اصل كل عشر نساء في العالم ابلغن عن تعرضهن للعنف البدني او الجنسي في مرحلة ما من حياتهن ” .. ” وتشير الاحصاءات الى ان العنف ضد المرأة والفتاة ظاهرة عالمية ، بصرف النظر عن اعتبارات الدخل والطبقة والثقافة ، ومن اشكال ومظاهر العنف ضد المرأة والفتاة عنف العشير ، والزواج المبكر ، والقسري ، والحمل القسري ، وجرائم الشرف وتشويه الاعضاء التناسلية ، وقتل الاناث والعنف الجنسي على يد شخص غير العشير، والتحرش الجنسي في مكان العمل وسائر المؤسسات والاماكن العامة ، والاتجار بالنساء والعنف الذى تتغاضى عنه الدولة والعنف ضد المرأة في حالات النزاع ، وهناك فئات معينة من النساء والفتيات اللواتي يواجهن اشكالا متعددة من التمييز ويصبحن من ثم اكثر عرضة للعنف “..
وثيقة العنف ضد النساء والفتيات تتحدث عن العنف الذى تواجهه النساء خصوصا ذلك العنف المتعلق بعلاقات القوة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة وتدعو الى نبذ النظرة الدونية للمرأة بحيث تكون تلك النظرة اكثر انصافا للمرأة ومواجهة آفة العنف ضد النساء والفتيات وضمان احداث تغيير مستدام في حياة النساء والفتيات وتوفير الدعم للمنظمات النسائية من اجل بناء حركات اجتماعية قوية وفاعلة .
تحدثت الوثيقة حتى عن العنف في فترة الطفولة سواء الذى تعرض له الطفل ام كان شاهدا عليه ، كما تحدثت الوثيقة عن خطر العقاب البدني للطلاب .. كما اشارت الوثيقة الى الحملة التي اطلقها الامين العام للأمم المتحدة تحت شعار ” متحدون من اجل انهاء العنف ضد المرأة ” حيث كانت هناك ما يربومن على 100 مبادرة من المبادرات المشتركة بين وكالات الامم المتحدة الرامية الى التصدي للعنف ضد المرأة .. وتحدثت الوثيقة ايضاعن ضرورة التصدي للعنف الجنسي في حالات النزاع وتفادى وقوعه وتعزيز جهود التعبئة بفضل حملة : ” اوقفوا الاغتصاب الآن ” الناتج عن العنف الجنسي في حالات النزاع .
كما تحدثت الوثيقة عن كفالة المساواة في الحقوق الممنوحة للنساء والفتيات في مجالات التعليم والضمان الاجتماعي وحيازة الاراضي والملكية والميراث والعمالة وعلى مستوى المشاركة في اتخاذ القرارات في جميع مناحي الحياة على الصعيد السياسي والقانوني والاقتصادي والاجتماعي .. كما تحث الوثيقة التصدي بقوة للعنف ضد النساء وعدم الافلات من العقاب .. وتشير الوثيقة ان للعنف ضد النساء والفتيات آثار مُدمّرة على الافراد والجماعات المحلية والمجتمعات ، كما يُكبد البلدان تكاليف اقتصادية واجتماعية باهضه ، ويتجلى من تحليل التكاليف المترتبة على العنف ضد المرأة الذى اجرى في العديد من البلدان منها ؛ استراليا ، وانجلترا وويلز ، وكندا ، والولايات المتحدة الامريكية ، ان التكلفة السنوية لهذا العنف قد تتراوح بين 16و1 بليون و 9و32 دولار ، وتشمل مجموعة متنوعة من التكاليف بدءا من تكاليف تلبية احتياجات الضحايا الى التكاليف المتصلة بفقدان الانتاجية .
ويستند التقرير الى النتائج التي توصل اليها فريق الخبراء في اجتماعه بشأن منع العنف ضد النساء والفتيات ، الذى نظمته هيئة الامم المتحدة للمرأة ، وبرنامج الامم المتحدة الانمائي ، واللجنة الاقتصادية والاجتماعية لآسيا والمحيط الهادي ، وصندوق الامم المتحدة للسكان ، ومنظمة الامم المتحدة للطفولة ، ومنظمة الصحة العالمية ، وذلك في بانكوك ، في الفترة من 17 الى 20 ايلول سبتمبر 2012 .. ويستند التقرير أيضا الى توافق الآراء الذى تم التوصل اليه في منتدى اصحاب المصلحة لمنع العنف ضد المرأة والقضاء عليه المعقود بمقر الامم المتحدة في يومي 13 و14 كانون الاول ديسمبر حيث شدد وزراء الدول الاعضاء والممثلون الدائمون لدى الامم المتحدة ومنظمات المجتمع المدني وقادة هيئات منظومة الامم المتحدة على الالتزام بتعزيز المعايير والتنفيذ الفعال والعاجل لتدابير التصدّي للعنف ضد النساء والفتيات ومنعه وتوطيد هذه التدابير ، ويتضمن التقرير التحليلات التي قدمتها الدول الاعضاء والامثلة التي ساقتها .
والسؤال : لماذا الاعتراض على هذه الوثيقة دون قراءتها قراءة منصفة بعيدا عن التعصب الاعمى ؟! وهل ياترى اطلع هؤلاء الذين رفضوا هذه الوثيقة على البند : ( ثاني عشر – حول الاستنتاجات والتوصيات ) المتعلقة بهذه الوثيقة فهل في هذه الاستنتاجات والتوصيات ما يعيب هذه الوثيقة ويخدش حياء المرأة العربية الليبية او يسيء للدين الاسلامي الحنيف مثلما يدعي البعض ؟!
واذا كانت ثمة ملاحظات على هذه الوثيقة فكان اولى بمؤسسات المجتمع المدني من ” جمعيات اهلية وحركات نسائية ومنظمات حقوقية وطنية وكيانات مهنية واجتماعية ” ان تبدى ملاحظاتها وآرائها حولها بعد دراستها دراسة مستفيضة ومنصفة وان يكون رأى المرأة متصدرا هذه الدراسة لأنها وحدها المعنية بهذه الوثيقة ! لا ان تقوم جهات اخرى بتغييب المرأة وبا بداء الرأي نيابة عنها ! .. للأسف لاتزال المرأة في مجتمعنا الليبي تعامل من قبل الرجل بعقلية الحريم تحكمها علاقات القوة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة والنظرة الدونية للمرأة ! ان الرجل يجب الا ينظر للمرأة على انها زوجة او انثى وحسب ، وانما يجب ان ينظر لها ؛ كابنته وشقيقته وامه التي ولدته .. الم نقل ان المرأة هي نصف المجتمع وهي التي ولدت وربت نصفه الآخر ؟! .
.. لاوجود فاعل وواعي للمرأة الليبية في مجتمعنا بما يمكنها حراكها وفعاليتها من ان تنتزع حقها وان تعبر عن آرائها في كل ما يخصها دون نيابة او وصاية من احد ! .. ان الحراك الذى اعنيه ليس الذى يقوده الرجل او يحرض عليه وليس التواجد في ساحات الاعتصام تزيينا للمشهد السياسي او المشاركة الخجولة في اللقاءات وفي المشهد الاعلامي المخطط له .. وانما اعني به الحراك الفاعل الواعي والملتزم والمؤثر في حركة المجتمع .. وهذا لن يحدث مالم تكن المرأة على قدر كبير من الوعي والادراك والشجاعة الادبية والاحساس بالمسئولية الوطنية والانسانية وان تمتلك زمام المبادرة !.
بقلم/ فتح الله ساسي
صحيفة ليبيا السلام
