تابعت – كما غيري – لقاء السيد عبدالرزاق العرادي الذي أجراه نبيل الحاج عبر قناته ليبيا الأحرار على مدى أيامٍ ثلاث. بدا الضيف من خلال كثير من أجوبته متردداً متلكئاً وغير مقنع في كثير من إجاباته التي سنأتي على تفاصيل أهمها، ولكن المثير أن هذه الركاكة لا تعكس أبداً ما يزيد عن الربع قرن من رفعه للواء الأخوان. فالسيد العرادي لم يستطع الرد على أسئلة بديهية بشكل واضح تتعلق بفكر جماعته، كما أنه كرر عبارات مستهلكة رددها مراقبه العام ورئيس حزب العدالة أكثر من مرة، وهم يعلمون جميعاً أنها لا تقنع تلميذ بالمرحلة الابتدائية فضلاً عن مشاهد قد يكون ملماً ببعض جوانبها.
نطق العرادي، فقال أن الأخوان كانوا خياراً فكرياً كما العلمانية والشيوعية وغيرهما، مستغرباً بذلك التعريض بهم والتهجم عليهم. وبرغم استغرابي من هذا الربط الغريب، فهل يرى العرادي أن الشيوعية والعلمانية لهما أرضٍ خصبة في ليبيا حتى يلجأ لهذه المقارنة؟. كما أنه ناقض نفسه حينما قال أنهم (أي الأخوان) جماعة دعوية تسعى لإصلاح الفرد ولا تتبنى التغيير عبر القوة والثورات. واستفهامي هو: هل العرادي مقتنع فعلاً بهذا القول أم هي سياسة التقية التي تلجأ إليها الجماعة عندما تريد تسويق بضاعتها؟!.
يعلم العرادي جيداً مدى الاختلاف مع ما حاول أن يربط به جماعته. فالأخوان ينطلقون من أساس ديني صرف وهو جوهر الفرق مع ما سواهم. ولذا فإن الخطأ فيه محسوب وهو سبب التركيز عليهم الذي استهجنه العرادي. فمثلاً، عندما يقول الأخوان بأنهم الجماعة الوحيدة المخولة بالفهم الصحيح للإسلام انطلاقاً من فكر سيد قطب الذي لا يرى وجود للدولة المسلمة طالما أنها لا تحكم بما أنزل الله، ألا يحمل هذا بين براثنه نزعة تكفيرية لكل مخالف ومن لا يتدثر بالعباءة الأخوانية؟.
بعد كل هذا كيف يستغرب العرادي الهجوم الذي تتعرض له جماعته وهم يتهمون الناس بالباطن في سبب عزتهم وهو الدين؟. ثم يقول لنا حضرته أنهم يسعون لإصلاح الفرد، وهو ما يجرنا بالضرورة للاستعلام عن مفهوم الإصلاح عند جماعة الأخوان. ولكننا لن نسمع جواباً شافياً أذا ما حاولنا ذلك، بل سيدور في إطار العموميات مثل كثير من ردود العرادي على أسئلة مضيفه. بيد أني أقول أن إصلاح الفرد (في جماعة تنطلق من أساسي ديني وترفع شعار الإسلام هو الحل) لا بد أن ينطلق من أساس الدين وصحيح المعتقد وهو التوحيد، إذ أن أي إصلاح مع وجود شوائب تشوب معتقد المرء تصبح كمن بدل الفرض بالنافلة. ولكن جماعة الأخوان لهم رأي مخالف، فعندما طلب فضيلة الشيخ حامد الفقي رئيس أنصار السنة المحمدية من حسن البنا أن يركزوا على التوحيد في دعوتهم للناس ليصححوا معتقدهم، أجابه البنا: إذا لا يلتفت إلينا أحد. ومن هنا كان هَم البنا هو جمع أكبر حشد من الناس حوله ولا يهم إذا حسن معتقدهم أم فسد، وهذا ما يسير عليه الأخوان إلى الآن. فأي إصلاح للفرد يتكلم عنه العرادي؟!.
من ضمن ما قاله الضيف أن الجماعة لا تتبنى التغيير بالقوة والثورات لأنها لا تؤمن بإسقاط رؤوس الأنظمة. وهنا سنتبنى نحن ما ذكره العرادي نفسه في هذا اللقاء في حكمه على العلمانية، عندما قال إنما نحكم علي العلمانيين من أفعالهم لا بما يقولونه عن أنفسهم. وليتم هذا لا بد من عودة تاريخية للوراء باعتبار وحدة فكر الجماعة، كما قال العرادي – نجد أنفسنا أمام عنف وتفجير واغتيالات. والقول بأنها أعمال فردية لا يصح لأنها لاقت قبولاً واسعاً ورضى كبير داخل الجماعة، فالقرضاوي نصب قاتل النقراشي باشا إماماً للشباب في شعر قاله ابتهاجاً بحادثة الاغتيال، أما المرشد الأول البنا فقد لام عبدالرحمن السندي لأنه فقط لم يأخذ الإذن الصريح باغتيال أحمد ماهر ولم ينكر عملية الاغتيال من الأساس. كما طالت أيادي الأخوان قطر مجاور عندما اغتالوا الإمام يحي إمام اليمن وصديق البنا رغبة للوصول للحكم الذي مافتئوا ينفون النزعة لنيله. فهل كان هذا من صميم الإسلام؟، وهل هم يطبقون الشريعة بذلك؟.
لماذا لا تسمون السيد الكبتي مرشداً بدلاً من مراقب؟، إذن هو يراقب منْ، ولمن؟؟؟؟
اسمعنا السيد العرادي كلاماً رناناً عن استقلالية أخوان ليبيا عن نظرائهم في مصر دون أن يضرب لنا دليلاً عملياً واحداً يمكن أن يُتكأ عليه، وإنما جاء كلامه إنشائياً، عاطفياً، مسجلاً في مجمله عما قاله مراقبه العام ورئيس حزبه قبل ذلك. فمن ضمن ما أشار إليه أن قيادة مصر لا ترأس قيادة ليبيا، فهل هذا اعتراف ضمني بأن الأخوان الآن هم من يقودون ليبيا؟. فإذا كانت الإجابة بلا، فكلام العرادي منطقي يُراد به التمويه واللبس واللعب بالألفاظ الأمر الذي عابه على العلمانيين – وفق قوله – فبدا وكأنه يراهم بعين طبعه. وعندما سأله المذيع عن المادة 50 التي تحدد العلاقة بين القيادة العامة للجماعة وقيادات الأقطار، كان رده أنها فعلاً موجودة ولكننا غير معنيين بها. وسؤالي للعرادي هنا إذا كان مكتب الإرشاد يعطى هذا الحق فعلاً لممثليه في مختلف الأقطار فما جدوى وضعها من الأساس؟. وليس هذا فقط، بل الجميع يعرف أن الجماعة لها قوانينها ولوائحها ووسائل مختلفة تعاقب بها أي (أخ) يخترقها أو يتجاهلها، وهي تختلف بالكلية عن قوانين الدولة التي تقع داخل حدودها. فكيف يقول لنا العرادي أن الجماعة تحترم خصوصية الدول وهم لا يحترمون دولهم بالأساس؟.
يبدو أن السيد العرادي – رغم عقودة الثلاث داخل الجماعة كما قال – لم يملك بعد التصريح للخوض في هكذا ملف شائك، فاكتفي فقط بترديد استقلاليتهم عن الجماعة الأم في مصر، رغم أن أسمهم وشعارهم وهيكليتهم ليسوا في صالح كلام العرادى، بل على العكس تماماً. كان على عضو المجلس الانتقالي السابق أن يخرج نفسه من هذا الحرج وهو يعلم أن السمع والطاعة للمرشد هما أساس البيعة له التي يجمعها يتلقاها المراقب العام نيابة عنه ليبلغه بها فيما بعد وفق ظروف كل دولة. وهنا نقول للعرادى وجماعته أننا سنحكم عليكم بما يتوافق فيه القول والفعل عندكم. فإذا كان هناك استقلالية كما تصرون عليها قولاً، فلم لا تسمون السيد الكبتي مرشداً بدلاً من مراقب؟. أما إذا استمر حضرته مراقباً، فهو يراقب من، لمن؟!.
والله المستعان
بقلم /نضال الشركسي
صحيفة ليبيا السلام
