كم قال لنا الثائر (الأوحد) الذي اختزل (الوطن) بكل من فيه وكل ما فيه في شخصه ونفسه ولأهوائه ورغباته وشطحاته وأوهامه، بأن (الشرعية) التي حكم بها البلاد أكثر من أربعة قرون، هي: (الشرعية الثورية) التي انتزعها بقوة السلاح، واليوم نسمع من (التشكيلات المسلحة) المؤدلجة ذات النبرة وبنفس الإيقاع، والتي قالت لنا مراراً بأنها اكتسبت (شرعية) سيطرتها وامتلاكها للسلاح وسطوتها ووجودها واستمرارها من (الشرعية الثورية)، وهي التي تحكم اليوم على أرض الواقع.. ،ورغم أن بعضاً منها قد أدى دوراً مهماً في مرحلة الثورة، وهذا أمر محسوب لهم عند الله تعالى الذي لا يظلم مثقال ذرة، ومحفوظ لهم عند كل الليبيين والوطن، ولكن أداؤهم لمثل هذا الدور لا يعني بحال أنهم يركبون فوق رءوس كل (الليبيين)، أو أنهم يعبثون بسيادة (الوطن)، عبر عرقلتهم لقيام وتأسيس (الدولة) وترسيخ هيبتها وسيادتها .
إننا جميعاً نشكر (قطر) على موقفها معنا في مرحلة الثورة، ولا ننسى هذا الصنيع لشعب قطر الشقيق، غير أن (حكام) قطر إذا ما قاموا بهذا العمل من أجل أن يستعبدوننا، ويعبثون بسيادة وطننا وكرامتنا، وبمستقبل أبناؤنا وأحفادنا، فليذهب هؤلاء الحكام (مع احترامنا وتقديرنا للشعب القطري) إلى الجحيم، فنحن أحفاد (المختار) ولا نرضى الدنية أبداً في ديننا، ولا نقبل العبث بسيادة وطننا، ولا إهانة كرامتنا .
أما (التشكيلات المسلحة) فكلنا يعرف بأنها (مؤدلحة) بأفكار وتوجهات مختلفة ومتباينة، وتقودها أحزاب وكيانات سياسية، وأجندات داخلية وخارجية، حتى وإن كان كثير من الأفراد المنتمين إليها قد لا يعرفون مثل هذا الأمر ولا يدركونه، وتحركهم الأيادي الخفية بدوافع وبواعث (أيديولوجياتهم)، وباسم حماية (ثورة 17 فبراير) والدفاع عنها، لذا فإننا قد نحسن الظن ببعض هؤلاء الأفراد الغلابة وحسن نواياهم، ولكن الأوطان لا تُبنى أبداً ب على حسن الظنون والنوايا .
ولأننا جميعاً نعرف بأن أحد أهم العوامل التي تُعرقل اليوم تأسيس الدولة وترسيخ كيانها وهيبتها، وتقف عقبة كبرى في إعادة الأعمار وانطلاق المشاريع التنموية، هي هذه (التشكيلات) والأيادي الخفية التي تحركها، أياً كانت انتماءاتها التنظيمية والفكرية (إخوانية، جهادية، ليبرالية، علمانية، من بقايا كتائب العقيد، قبلية، مناطقية، الفارون من السجون …إلخ)، لايهم فكلها وإن تناقضت في (أيديولوجياتها) والباعث والشكل والمظهر، فنتائج أعمالها المدمرة واحدة؛ وهي عرقلة قيام الدولة الليبية الجديدة والعبث بسيادة الوطن ومستقبله، واللهث خلف السيطرة والسلطة والمال .
وكلنا يعرف ويُدرك تماماً أن الثوار الحقيقيين كان هدفهم واضحاً وثابتاً، هو القضاء على الظلم والطغيان والفساد المستشري، وخرجوا في مواجهة طاغية لم يعرف له التاريخ المعاصر مثيلاً، وبمجرد أن انتصرت (الثورة)، غمدوا سيوفهم وعادوا إلى أعمالهم واحتسبوا الأجر عند خالقهم .
لذا يجب أن نتجرد من العواطف الخادعة، ولنتحرك يداً واحدة وكل الشعب، شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً لتفتيت هذه التشكيلات (وليس ضمها)، ونزع السلاح منها وتسليمه للدولة، وكل من يخاف الله من أفراد هذه التشكيلات وله وطنية صادقة، لابد أنه سيتخلى عن التشكيل من تلقاء نفسه ويرمي بسلاحه، عندما يجد نفسه في مواجهة إرادة شعب بأكمله .
إن قضية سيادة (الوطن) لا مزاح فيها ولا عواطف ولا محاباة ولا مجاملات، إنها قضية وطن، وقضية أبناؤنا وأجيالنا، و(ليبيا)، و(السيادة الوطنية)، فلا ننخدع أمام شعارات فضفاضة لا وزن لها ولا حضور في الإصلاح والعمار وبناء دولة ليبيا الجديدة، حتى وإن كانت (الشرعية الثورية) التي سئمناها من كثرة ما سمعناها من (الثائر الأوحد)، وسئمنا تكرارها اليوم من(الثوار المؤدلجين)،والذين يقفون عائقاً في بناء وتأسيس الدولة، ويستنزفون ثروات الوطن.. فالثورة (مرحلة) وقد أدت دورها بنجاح، واليوم نُريد (الشرعية الوطنية)، و شرعية (دولة المؤسسات)، وشرعية (دولة العدل والقانون)، وشرعية (ليبيا لكل الليبيين)، وشرعية (ترسيخ سيادة الدولة)، وشرعية (بناء جيش قوي)، وشرعية (بناء شرطة فاعلة وقادرة).. فكل من يحب الوطن وسيادة الوطن وقيام الدولة وترسيخ هيبتها؛ عليه أن يعمل في هذا الاتجاه، وكل من سار في عكس هذا الاتجاه فانتماؤه ليس للوطن بل لرموز أخرى لاتهم الشعب ولا الوطن ولا السيادة الوطنية .
وهل ثمة ثائر حقيقي تجرد لدينه ووطنه يقف في مواجهة تأسيس الدولة وترسيخ سيادتها، وتحقيق العدل والأمن والأمان والازدهار والاستقرار؟ وهل بادرنا بـ (عزل) ثقافة المفاهيم الفاسدة والموروثة من (الثائر الأوحد)، قبل أن نبادر بعزل (أفراداً) نستطيع أن نراقبهم ونراقب أعمالهم وإخلاصهم في عطائهم ونتحكم في فصلهم في أي وقت إن لزم الأمر ؟ .
استدراك: (إنني مجرد مواطن بسيط، الإسلام ديني وليبيا وطني.. ولا أنتمي إلى أي تنظيم ولا حزب ولا جماعة ولستُ فيدرالياً، ولا أشغل أي منصب في الدولة، وأمضيت في معتقل أبوسليم (13) سنة، أقول هذا حتى لا يُفهم كلامي على نحو مغلوط) .
بقلم/ محمد فرحات محمد شقلوف . (10. 06. 2013)
E. mail: muhammad201_2002@hotmail.com.
صحيفة ليبيا السلام
