يذكر كثير من المحللين أنه من الطبيعي أن تعقب الثورة في أي بلد حالة من الفوضى قد تستمر لسنوات بسبب حالة الهرج التي تفرضها طبيعة هذه الثورات، ورغبة كثير من التيارات فرض نفسها كواجهة جديدة للشعب مع تغول من يعتقدون بأنهم سبب رئيس في هذا التحول ساعين للسيطرة على مقاليد الدولة الوليدة وقطف ثمار لم تنضج بعد مما يوقعهم في صدامات مع حلفاء الأمس. إضافة إلى ثورات مضادة قد تنشأ مستغلة حالة الفوضى هذه وسوء إدارة الحكام الجدد للدولة. ووسط كل هذا ينقسم الشعب بعد توحده بين مُصِر على تحقيق ما خرج من أجله، وبين من قد يحن للماضي الآمن الذي فقده وإن كان تحت دكتاتور.
برأيي أن الوضع في ليبيا قد يكون أتخذ منحى آخر بعدما ساهم بعض ممن كانوا ثوار الأمس في ممارسة أفعال، لا أريد أن أقول ثاروا ضدها، ولكن وجدوا أنفسهم كذلك. ولتوضيح هذا أستشهد بمقابلة للعقيد سالم حجا كان قد أجراها معه أحمد منصور أوائل العام الماضي. ذكر سيادة العقيد أنه وجد نفسه كثوري أكثر منه كعسكري وهو ما جعله يتفاعل مع وقائع المعركة استناداً لمتطلبات الحال وظروف الواقع بعيداً عن صرامة وضوابط الأوامر العسكرية التي قد تحرم الجندي من إطلاق النار على العدو وهو في مرمى نيرانه.
وهنا أتفق مع السيد جحا، ولكنه استطرد باستثناء مهم وهو أن مع الحالة الثورية واجه صعوبة في السيطرة مع من هم تحت إمرته حتى صار كسر الأوامر أسلوباً ومنهجاً يسري فيهم كمرض معدي، معللاً ذلك بأنهم ليسوا عسكريين. وضرب مثلاً بين ثنايا حديثه بما قام به (من وجدوا أنفسهم ثواراً) من ترهيب للمواطنين ونهب بعض متعلقاتهم عندما تقرر السماح لهم بالخروج أبّان تحرير سرت.
عدد ليس بالقليل من هؤلاء كانوا يمارسون أفعالاً مشابهة قبل ثورة فبراير فيكافئون بالسجن والاستهجان الاجتماعي، فأصبح بعد فبراير يشار إليهم بالبنان وتلقى أفعالهم هذه صدى طيباً عند غالبية الناس ووقعوا ضمن فئة نعترف بجسارتها فصاروا أبطالاً. كيف نريد بعد ذلك من هؤلاء أن يعودوا للقاع مرة أخرى بعد أن طالت أيدهم النجوم؟. كيف نتوقع أن يتقبلوا نقدنا لهم الآن بعد أن وضعناهم فوق الصواب؟.
وتعليقاً على هذا، فالسيد سالم حجا، على سبيل المثال، وجد نفسه في الحالة الثورية بعد أن هذبتها الحالة العسكرية فتحرك كثوري داخل نطاق تلك الشخصية المنضبطة التي تسكنه، وهو ما انعكس إنسانياً في تعامله مع الغريم قبل الشريك. أما من هم معرض حديثنا فأعطوا للهوى نصيبه وغاب عنهم كل ما قد يشكل قيداً في تصرفاتهم. وأريد أن أؤكد هنا أنه بالطبع ليست الوسيلة العسكرية وحدها ما تفعل هذا الفعل، فقد رأينا الكثيرين مما ليس لهم علاقة بها ومع هذا كانوا كامل الرقي والانضباط في انعكاس واضح لبيئة الشخص ومعدنه وتدينه، ولكن من اعتاد على الفوضى كيف له أن يرتدع في وقت لا صوت يعلو فيه غير صوتها. ولذا فعندما طالب الكثيرون الثوار، بعد إعلان التحرير، بتنظيف أنفسهم ممن تسورهم وعلق بهم، جاء الرد أن هذا صعب عملياً لأنه سيعني اقتتال داخلي بين الثوار (كما سيظهر للناس)، وهو ما سيضعفهم في وقت لازالت الدولة تعج بأذناب النظام السابق، ولم يدر في خلد أكثر المتشائمين وقتها أن هؤلاء قد يشكلون خطراً لا يقل عن خطر زمرة ألقذافي، ولكن من نوع آخر.
وأقول، إن خطر هؤلاء لا يكون عن قوة، بل من خلال أصوات لا هَمّ لها سوى إلباس الحق بالباطل، فكلما بدر منهم ما يستنكره الناس وبرز من يقدحهم، انهالت على مسامعنا جمل من نوع: (هؤلاء هم ثوار الجبهات)، (أين كنتم عندما خرج هؤلاء)، (لماذا تهاجموهم اليوم وسكتم عنهم بالأمس). وما يزيد الطين بله، أن من يردد هذه الجمل يعلم قبل غيره أنها حق يراد به باطل ولكنه يفعله فلعله ينل بعضاً مما فاته، فكيف يختلف هذا عمن كان يصفق للقذافي؟.
إن هؤلاء الذين يعطلون الدواليب المتحركة، ويعلنون اعتصامات بداع وبلا داع في شرق ليبيا وغربها، ويتعاملون مع الدولة وكأنهم أوصياء عليها ويطالبونها بإعلان كل تعاقداتها على الملأ، ولا يجدون حرجاً في التعامل مع برلمان وحكومة شرعيين كأنهما طفلين عاقين، لا يمكن أن يكونوا ثواراً بالمعنى الحقيقي واللغوي للكلمة. نعم قد يكونوا مما شاركوا في الجبهات ولكن عليهم أن يجدوا لأنفسهم مسمى آخر.
ثمة صنف آخر ممن سُموا ثواراً، وهم ممن تقلدوا مناصب مهمة في الدولة من وزارات وسفارات وإدارات ومؤسسات وحققوا مراكز متقدمة في الفشل بلا منازع. تسابق هؤلاء على هذه المناصب مؤكدين على أحقيتهم بها بحكم ثوريتهم متغنين بحجم ما قدموه، فهل نعتبر ما نالوه ثمناً لما بذلوه؟.
إن كان هذا، فلم يبقى لكم دين على هذا الشعب، وإلا فبأي حق نلتم ما انتم فيه؟. إن من بين هؤلاء من لعن ألقذافي بسبب تعطيله للدستور وحكم الشعب الليبي باسم الثورة طيلة الأربعة عقود، ونراه اليوم يتشبث بمنصبه الرفيع، بعد قرار عزله، باسم الثورة أيضاً، فماذا يريد هذا من هذه الازدواجية الكريهة؟. أم هي حلاوة الكرسي ولعنة السلطة التي لن يعرف إلى أين ستودي به. ألا يدرك أنها أمانة، وأنها خزي يوم القيامة وندامة!. ولم هذا التبدل عما نادى به الشعب الليبي في ثورته هذه، أم فرضه لحن الحياة وصراع الايدلوجيات!. وهنا أقول خذوا المناصب التي كبلتكم، ولكن اتركوا لي وطني.
والله المستعان
بقلم/ نضال الشركسي
